حيدر حب الله

85

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

سنأخذ تصويراً آخر لنتائج هذا الأمر ، وهو أنّ الشيعة حيث إنّ نظرهم كان للكتب ، فإنّهم إذا جيء لهم بكتاب حريز في الصلاة ، برواية الصيرفي الضعيف الكذاب ، ونظروا في الكتاب فوجدوا النسخة مطابقةً لنسخة كتاب حريز التي عندهم ، فإنّهم في هذه الحال ينقلون عن كتاب حريز بطريق الصيرفي ؛ لأنّه ليس المهم عندهم هو الصيرفي ، بل كتاب حريز ؛ فإنّ عليه المدار ، ولهذا تجد أنّ الكتب الأربعة تنقل رواياتٍ بطرق رواة ضعاف ضعّفهم حتى بعض أصحاب الكتب الأربعة أنفسهم ، وما ذلك إلا لأنّ العبرة بالكتاب نفسه لا بالطريق إليه ، والسبب هو أنّ المنهج الفهرستي يهمّه التحقّق من صحّة النسخة - وطرق الفهارس طرق ناشرين ليس إلا - لا التحقّق من رواية الراوي ، والتحقّق من صحّة النسخة لا يقوم على رواية الراوي فحسب ، بل على عناصر متعدّدة ، كمطابقة النسخ مع بعضها ، ويصبح الراوي في حال محوريّة النسخة مجرّد ناشر للكتاب وناقل له من منطقة إلى أخرى ، ومن مكان إلى آخر ، فلا يهمّني الناشر بل يهمّني النظر في الكتاب للتحقّق من سلامة النسخة وانتسابها إلى صاحبها ، ولهذا أنت تقبل كتاب الكافي اليوم لو نشرته مؤسّسة غير مُسلِمة أساساً ، ونتيجة هذا الأمر أنّ المشايخ القدماء يختلفون في الاعتماد على بعض روايات علي بن جعفر مثلًا ؛ لأنّ أحدهم اعتمد نسخةً معيّنة رجّحها على نسخة أخرى ، بينما اختار الثاني النسخة الثانية ورجّحها على النسخة الأولى . ومن تأثيرات قضيّة النسخ واختلافها ، أنّ الكثير جداً من التعارض بين الأخبار لا يرجع إلى الأئمّة ، بل يرجع إلى الرواة ، وذلك أنّ الكتب في البداية دوّنت بالخطّ الكوفي الذي يحوي مشاكله الخاصّة ، وفيه مصاعب خاصّة ، وشيئاً فشيئاً صار الخطّ ينتقل من الكوفي نحو خطّ النَّسخ ، وهو ما أوجب أخطاءً في عمليّات استنساخ الكتب ، أفضت إلى هذه التعارضات ، تماماً كرواية : من جدّد قبراً فقد خرج من الاسلام ، حيث تعدّدت بنحو ( جدّد - حدّد ، جدّث ) ، وهذا كلّه ناتج عن اختلاف النسخ والخطوط . وبهذا ينتج أنّ المنهج الرجالي الدائر مدار الراوي يختلف عن المنهج الفهرستي الدائر